محمد سعيد رمضان البوطي
224
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
فاتته صلاة وأراد تداركها أن ينتظر حلول وقتها من اليوم الثاني ثم يؤديها إذ ذاك . بل عليه أن يبادر إلى قضائها بمجرد التذكر ، في أي وقت كان . فإذا عرفت أن هذا هو مقصود رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كما تدل على ذلك صيغة الحديث نفسها وكما ذكر ذلك علماء الحديث وشراحه « 83 » عرفت أنه لا دلالة تشريعية تتعلق بالمفهوم المخالف للنوم أو النسيان في الحديث . غزوة بني قريظة جاء في الصحيحين أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لما رجع من الخندق ووضع السلاح واغتسل ، أتاه جبريل عليه الصلاة والسلام ، فقال : « قد وضعت السلاح ؟ واللّه ما وضعناه ، فأخرج إليهم قال : فإلى أين ؟ قال : ههنا ، وأشار إلى بني قريظة ، فخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلم إليهم » « 84 » . ونادى صلّى اللّه عليه وسلم في المسلمين « ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ، فسار الناس ، فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلّي ، ولم يرد منا ذلك . فذكروا ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فلم يعنف أحدا منهم » « 85 » . وحاصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بني قريظة ( وهم متحصنون في حصونهم ) خمسا وعشرين ليلة وقيل خمسة عشر يوما « 86 » حتى جهدهم الحصار وقذف اللّه في قلوبهم الرعب . روى ابن هشام أن كعب بن أسعد قال لليهود : لما رأى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم غير منصرف عنهم : « يا معشر يهود ، قد نزل بكم من الأمر ما ترون ، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا ، فخذوا أيها شئتم . قالوا : فما هي ؟ قال : نتابع هذا الرجل ونصدقه ، فو اللّه لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل ، وأنه للذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنون على دمائكم وأبنائكم ونسائكم . قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبدا ، قال : فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف ، لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم اللّه بيننا وبين محمد ، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه ، قالوا : فما ذنب المساكين ؟ قال : فإن أبيتم هذه أيضا فإن الليلة ليلة السبت ، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها ، فأنزلوا لعلنا نصيب منهم غرة ، فأبوا ذلك أيضا » . ثم إنهم نزلوا على حكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيهم - وقد كانت بنو قريظة حلفاء للأوس - فأحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يكل الحكم عليهم إلى واحد من رؤساء الأوسيين ، فجعل الحكم فيهم إلى سعد بن
--> ( 83 ) انظر فتح الباري : 2 / 47 ونيل الأوطار : 2 / 27 ( 84 ) متفق عليه واللفظ للبخاري . ( 85 ) رواه البخاري . ( 86 ) الذي رواه ابن هشام أن مدة الحصار كانت خمسة وعشرين يوما . وجزم ابن سعد في طبقاته أنها كانت خمسة عشر فقط .